الجاحظ

316

الحيوان

وإنّ اللحم ليكون بيني وبينه الذراعان والثلاث الأذرع ، فما أجد ريحه إلّا بعد أن أدنيه من أنفي . وكلّ ذلك عجب . ولم أجد أهل سكّة أصطفانوس « 1 » ، ودار جارية ، وباعة مربّعة بني منقر « 2 » يشكّون أنّ كلبا كان يكون في أعلى السكة ، وكان لا يجوز محرس الحارس أيام الأسبوع كلّه ، حتّى إذا كان يوم الجمعة أقبل قبل صلاة الغداة ، من موضعه ذلك إلى باب جارية ، فلا يزال هناك ما دام على معلاق الجزّار شيء من لحم . وباب جارية تنحر عنده الجزر في جميع أيّام الجمع خاصّة ، فكان ذلك لهذا الكلب عادة ، ولم يره أحد منهم في ذلك الموضع في سائر الأيّام ، حتّى إذا كان غداة الجمعة أقبل ! فليس يكون مثل هذا إلّا عن مقداريّة بمقدار ما بين الوقتين . ولعلّ كثيرا من الناس ينتابون بعض هذه المواضع في يوم الجمعة ، إمّا لصلاة ، وإمّا لغير ذلك ، فلا يعدمهم « 3 » النّسيان من أنفسهم ، والاستذكار بغيرهم . وهذا الكلب لم ينس من نفسه ، ولا يستذكر بغيره . وزعم هؤلاء بأجمعهم أنّهم تفقّدوا شأن هذا الكلب منذ انتبهوا لصنيعه هذا ، فلم يجدوه غادر ذلك يوما واحدا . فهذا هذا . 335 - [ قصّة في وفاء الكلب ] وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عبيدة لبعض الشعراء : [ من الطويل ] يعرّد عنه جاره وشقيقه * وينبش عنه كلبه وهو ضاربه قال أبو عبيدة : قيل ذلك لأنّ رجلا خرج إلى الجبّان ينتظر ركابه فأتبعه كلب كان له ، فضرب الكلب وطرده ، وكره أن يتبعه ، ورماه بحجر ، فأبى الكلب إلّا أن يذهب معه ، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار ، ربض الكلب قريبا منه ، فبينا هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطلبونه بطائلة لهم عنده ، وكان معه جار له وأخوه دنيا ، فأسلماه وهربا عنه ، فجرح جراحات ورمي به في بئر غير بعيدة القعر ، ثم حثوا عليه من التراب حتّى غطّى رأسه ثم كمّم فوق رأسه منه ، والكلب في ذلك

--> ( 1 ) أصطفانوس : موضع في البصرة ، مسماة باسم كاتب نصراني كان في أيام زياد ؛ أو ما قاربها . معجم البلدان ( أصطفانوس ) . ( 2 ) مربعة بني منقر : موضع بالبصرة . ( 3 ) البيت مع الخبر في تأويل مختلف الحديث 166 ، وربيع الأبرار 5 / 421 . التعريد : الفرار .